Yahoo!

قصة قصيرة الكرسي الأعرج

كتبهامحمد بقوح ، في 8 يوليو 2008 الساعة: 17:09 م

هذا الكرسي المفروش برصيف أسمنتي .. هو كرسي ليس كجميع الكراسي. فكرت أكثر من مرة،

في غفلة النادل، أن أكسر ما تبقى من شكله المهترئ، لكن سيبدو ذلك عملا جنونيا.في الحقيقة هو يثير الرأفة،أكثر مما يثير أي شيء آخر.لكن، ما الذي يجعل كل من دخل إلى المقهى يسأل ويبحث، بكل جدية وغير جدية، عن الكرسي الأعرج…، وهو الاسم الذي عرف به عند الزبناء.فأنا لست أدري لماذا يتشبت هؤلاء به كل هذا التشبت، رغم عيوبه الواضحة والبارزة حتى للعميان. إن هذا هو ما يستفزني أكثر في الموضوع.

 

كرسي يجوز أن نسميه كل شيء غير الكرسي.أحسن مكان يليق به هو إحدى المتاحف العريقة في البلاد.حقا، فهو يحتمل أجساد الجالسين عليه. هذه ميزة تحسب له. لكن المهم ليس هو الجلوس، وإنما الراحة في الجلوس،و يبدو أن كل من جلس عليه يتمنى أن لا ينفصل عنه، بل يزداد جسمه التصاقا به..إن لم أقل امتدادا، إلى درجة الذوبان فيه..مع العلم، أنه مجرد كرسي أقل من عادي، جد قديم، يعود تاريخه إلى أكثر من المدة، التي عشتها في هذه المدينة الصغيرة والمهمشة. كرسي سبق لي أن دققت نظري في شكله الذي يغري، إلا أن رجله الرابعة تبدو لي اصطناعية، وأصغر من الأرجل الأخرى. بالفعل، حين تنعكس عليه أشعة الشمس الصباحية، تلمع جنباته، وتكون “ظهريته” المملوءة بالأرقام الهاتفية، أكثر دفئا وانجذابا للزبناء.لهذا كثيرا ما طرحت على نفسي سؤال السر، الذي يدفع كل من جاء إلى هذا المقهى يقصد، بشكل غريب ومباشر، الكرسي الأعرج .

 

هل الأمر يعود إلى لونه الأبيض، الذي يوحي بأجواء السلم والسلام، المنقوشة في دواخل المواطنين..؟ أم الأمرلا يعدو أن يكون مجرد صدفة، كوجود المستوصف بالقرب من هذا المقهى.كنت دوما أتمنى أن أستيقظ ذات صباح، مع الطلعة الأولى لشمس مدينتي، وأكتشف جديدا في هذا الرصيف المعاند..أن أخبر من طرف نادل المقهى، بأن الكرسي الأبيض، قد تمت سرقته في الليلة الفائتة، من لدن مجهولين، أو على الأقل، تم تغييره من طرف صاحب المقهى، بكرسي مختلف، يكون لونه هذه المرة أزرقا كلون البحر، أو أحمرا، القريب من لون النار…، جميع المقاهي التي أعرفها، في المدينة وما يجاورها من ضواحي وأحياء، بدلت كراسيها أكثر من مرة..حتى الوجوه المقنعة، التي كثيرا ما أجدها مرسومة بإتقان على الكرسي الأبيض، أو ألاحظ التصاق أجسادها السمينة بصفحة ظهره، أو بإحدى أرجله الطويلة، بإمكانها أنذاك أن ترحل عن هذا المقهى، وتبحث لها عن كرسي أبيض آخر، يناسب حجم أجسادها، ويليق بسعة “جبهات” وجوهها..لقد تساءلت كثيرا،عن مغزى ومعنى هيمنة هذا اللون الأبيض، على الكثير من جوانب حياتنا، خلال هذه السنوات الأخيرة..:..كراسي المقاهي.و.كراسي المستوصفات.و.وزرات التعليم بلا تعليم و..وزرات الصحة بلا صحة.و.بياض الثلاجات وآلات الغسيل..، وبياض الأسنان والمناسبات والعادات..حيث يتم إحياء صلة الرحم، والعلاقات النائمة..و الراكدة..، حيث يبدأ بياض آخر، من النوع الرفيع،..بياض الأحاديث الطيبة، وبياض النظرات الخاطفة…بياض “الجلاليب والبلاغي”.، هذا زمن أبيض الاسم، يخفي شظايا هوية الأهازيج، ويدعي اختمار الوعي، ونضج الثمار..صدقت يا عبد الله راجع : عندما تنضج الثمار يموت الرجال..لكن في زمانك يا شاعرنا الكبير.أما في هذا الزمان..، فعدما تنضج الثمار تمسخ الشجرة، ويصبح الرجال عصافير حالمة..إنه نفاق في نفاق..لقد أصبحت المظاهر العاكسة للون الكراسي، والقبعات البيضاء ، من موضات عصرنا البيوض.لسلالة جديدة من السلوكيات…البيضاء.الممزوجة بالأدخنة والرماد والأحلام والأملاح المعدنية، و…حين تحضر الألوان الأخرى، ولو كان حضور من مر، في الطريق مرور الكرام،..أينما ذهبت وارتحلت، وجدت الأبيض ينتظرك ويبتسم إليك..، إنها أم المهازل في الزمن العربي الحالم والمغلوب على أمره….

 

جلس في هذه اللحظة، شاب على كرسي أمامي، يقرأ جريدة.ربما يكون زائرا جديدا للمقهى.كدت أن أقف، وأنبهه لتغيير كرسيه، قبل فوات الأوان.هو،في الحقيقة، يتصفح الجريدة ولا يقرأها..قراءة الجريدة تحتاج إلى كرسي مريح.ها هو الآن يحاول البحث بعينيه العميقتين، بين جميع كراسي المقهى، عن كرسي مريح لقراءة جريدته اليومية.عبثا.. تبحث أيها البحر.. عن اسم لسواعدك.. في بياض جسم..يحفر عموديا في تربة جسمك…أخذ يتحسس، بأطراف أصابع يده اليمنى، لحيته الكثيفة والقصيرة.تابع بعينيه مرور فتاة أمامه،مركزا على مؤخرتها الظاهرة، المطلة قسرا من تكويرة “دجين” الأميريكي.. غير من وضعية قدميه. نظر إلى حذاءه الأسود.رفع بصره ليجد أمامه، فجأة، طفلا في حدود العاشرة من عمره، حاملا صندوقا خشبيا.قال :”أرا تسيري “،ثم ضرب الصندوق ضربات متتالية.استفسره الشاب عن نوع “السيراج”، الذي يستخدمه في التلميع.وجده من النوع المناسب لحذائه.انتهى من تلميعه بسرعة،ثم أشعل سيجارة، فتذكر أنه شرع يفكر، في هذه الأيام بجدية، في الإقلاع عن التدخين.لكن يبقى أمر البدء في التنفيذ دوما هو العقبة الكبرى..

 

شربت ما تبقى من كأسي. وقفت.سقط الكرسي.لم ألتفت إليه.أبصرت قدامي عربة لبيع “الهندية”*.أورقت في داخلي لعنة الجوع. مشيت تجاه العربة.أكلت ما يتيسر منها، دون أن أعد قشورها المشوكة.كانت تلك مهمة البائع. “يذبح” كما نقول، وأنا أقذف الحبة تلو الحبة، عبر قناة جوفي الغائر.دفعت له المبلغ الذي طلب، ثم انصرفت…

 

لفت نظري، وأنا أمر بجوار مصنع، مجموعة كبيرة من العمال والعاملات، يفترشون “كراسي”، لكنها حجرية بالفطرة، التقطوها من الوادي القريب من المصنع.أبصرت جملا وعبارات، كتبت بحروف زرقاء وسوداء، في بياض اللافتات الطويلة.وجوههم حزينة ومتعبة…ينظرون.. وينتظرون.. ويتأملون.. وبدأوا يملون…

 

 شربتني أول مقهى، وجدتها في طريقي..أخذت مكاني بين الكراسي.طلبت للنادل قهوة سوداء، في كأس صغيرة، بالإشارة التي يعرفها الجميع..تصلني من داخل المقهى، تصفيقات لأشخاص،و كأنهم في ملعب،ربما يتابعون “ماتش”في كرة القدم.نظرت ورائي عبر زجاج النافذة الشفاف

..صدقت في توقعي..لقد علمت الآن، لماذا احتفظ صاحب المقهى بالكرسي الأعرج…كل هذه المدة الطويلة، وربما ستطول أكثر..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك